القرطبي
162
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فلا ينفع الجيش الكثير التفافه على غير منصور وغير معان . وقال ابن عباس رضي الله عنه : كان داود أشد ملوك الأرض سلطانا . كان يحرس محرابه كل ليلة نيف وثلاثون ألف رجل ، فإذا أصبح قيل : ارجعوا فقد رضي عنكم نبي الله . والملك عبارة عن كثرة الملك ، فقد يكون للرجل ملك ولكن لا يكون ملكا حتى يكثر ذلك ، فلو ملك الرجل دارا وامرأة لم يكن ملكا حتى يكون له خادم يكفيه مؤنة التصرف في المنافع التي يفتقر إليها لضرورته الآدمية . وقد مضى هذا المعنى في " براءة " ( 1 ) وحقيقة الملك في " النمل " مستوفى . قوله تعالى : " وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب " فيه مسئلتان : الأولى - قوله تعالى : " وآتيناه الحكمة " أي النبوة ، قال السدي . مجاهد : العدل . أبو العالية : العلم بكتاب الله تعالى . قتادة : السنة . شريح : العلم والفقه . " وفصل الخطاب " قال أبو عبد الرحمن السلمي وقتادة : يعني الفصل في القضاء . وهو قول ابن مسعود والحسن والكلبي ومقاتل . وقال ابن عباس : بيان الكلام . علي بن أبي طالب : هو البينة على المدعي واليمين على من أنكر . وقاله شريح والشعبي وقتادة أيضا . وقال أبو موسى الأشعري والشعبي أيضا : هو قوله أما بعد ، وهو أول من تكلم بها . وقيل : " فصل الخطاب " البيان الفاصل بين الحق والباطل . وقيل : هو الإيجاز بجعل المعنى الكثير في اللفظ القليل . والمعنى في هذه الأقوال متقارب . وقول علي رضي الله عنه يجمعه ، لأن مدار الحكم عليه في القضاء ما عدا قول أبي موسى . الثانية - قال القاضي أبو بكر بن العربي : فأما علم القضاء فلعمر إلهك إنه لنوع من العلم مجرد ، وفصل منه مؤكد ، غير معرفة الأحكام والبصر بالحلال والحرام ، ففي الحديث " أقضاكم علي وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل " وقد يكون الرجل بصيرا بأحكام الأفعال ، عارفا بالحلال والحرام ، ولا يقوم بفصل القضاء . يروى أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : لما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن حفر قوم زبية للأسد ،
--> ( 1 ) راجع ج 8 ص 171 طبعة أولى أو ثانية .